محمد بيومي مهران
36
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
جنس الإنسان وجنس الطير ، وجنس الجبال ، ولكن فيم الدهش ؟ وفيم العجب ؟ إن لهذه الخلائق كلها حقيقة واحدة وراء تميز الأجناس والأشكال والصفات والسمات ، حقيقة واحدة يجتمعون فيها ببارئ الوجود كله ، أحيائه وأشيائه جميعا ، وحين تصل صلة الإنسان بربه إلى درجة الخلوص والإشراق والصفاء ، فإن تلك الحواجز تنزاح ، وتنساح الحقيقة المجردة لكل منهم ، فتتصل من وراء حواجز الجنس والشكل والصفة والسمة التي تميزهم وتعزلهم في مألوف الحياة ، وقد وهب اللّه عبده داود هذه الخاصية ، وسخر الجبال معه يسبحن بالعشى والإشراق ، وحشر عليه الطير ترجع مع ترانيمه تسبيحا للّه ، وكانت هذه هبة فوق الملك والسلطان ، مع النبوة والاستخلاص « 1 » ، قال ابن عباس : كانت الطير تسبح معه إذا سبح ، وكان إذا قرأ لم تبق دابة إلا استمعت لقراءته ، وبكت لبكائه « 2 » . ومنها ( ثالثا ) إلانة الحديد له ، فكان بين يديه كالعجين أو كالطين المعجون يصرفه بيده كيف يشاء من غير نار ، ولا ضرب بمطرقة ، وقيل لان الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة « 3 » ، قال تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ، وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ، أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ، وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ « 4 » ، وفي قوله تعالى وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ قال الحسن البصري وقتادة والأعمش وغيرهم : كان اللّه تعالى قد ألان الحديد لداود حتى كان يفتله بيديه لا يحتاج إلى نار ولا مطرقة ، وقال الإمام الفخر الرازي : ألان اللّه لداود الحديد حتى كان في يده كالشمع وهو في قدرة اللّه يسير ، فإنه يلين بالنار حتى يصبح كالمداد الذي يكتب به ، فأي عاقل يستبعد
--> ( 1 ) في ظلال القرآن : 5 / 3017 ( بيروت 1982 ) . ( 2 ) زاد المسير : 6 / 436 . ( 3 ) تفسير النسفي : 3 / 319 . ( 4 ) سورة سبأ : آية : 10 - 11 .